عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
387
اللباب في علوم الكتاب
فالجواب : أنه تعالى أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة ، لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات ( وهداية اللّه تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات ) « 1 » وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس ، لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص ، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة ، فلا « 2 » جرم كان هذا المثل أليق وأوفق « 3 » . فصل : [ : في أن الأمور التي اعتبرها اللّه تعالى في هذه المثل توجب كمال الضوء ] اعلم أن الأمور التي اعتبرها اللّه تعالى في هذه المثل توجب كمال الضوء . فأولها : أن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته ، أما إذا وضع في المشكاة اجتمعت أشعته فكانت أشد إنارة ، ويحقق ذلك أن المصباح ينعكس شعاعه من بعض جوانب الزجاجة إلى البعض ، لما في الزجاجة من الصفاء والشفافة ، فيزداد بسبب ذلك الضوء والنور ، والذي يحقق ذلك أن شعاع الشمس إذا وقع على الزجاجة الصافية تضاعف النور الظاهر ، حتى إنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك الضوء ، فإذا انعكست تلك الأشعة من كل جانب من جوانب الزجاجة إلى الجانب الآخر كثرت الأنوار والأضواء « 4 » وبلغت النهاية . وثانيها : أن ضوء المصباح يختلف بحسب اختلاف ما يتقد فيه ، فإذا كان الدهن صافيا خالصا كانت حاله بخلاف حاله إذا كان كدرا ، وليس في الأدهان التي توقد ما يظهر فيه من الصفاء مثل الذي يظهر في الزيت ، فربما بلغ في الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض فيه وشعاع يتردد في أجزائه . وثالثها : أن الزيت يختلف باختلاف شجرته ، فإذا كانت لا شرقية ولا غربية بمعنى أنها كانت بارزة للشمس ( في كل حالاتها يكون زيتونها أشد نضجا ، فكان زيته أكثر صفاء ، لأن زيادة تأثير الشمس ) « 5 » تؤثر في ذلك ، فإذا اجتمعت هذه الأمور وتعاونت صار ذلك الضوء خالصا كاملا ، فيصلح أن يجعل مثلا لهداية اللّه تعالى « 6 » . فصل : [ في معنى « المشكاة » ] قال بعضهم : « هذه الآية من المقلوب والتقدير : مثل نوره كمصباح في مشكاة ، لأن المشبه به هو الذي يكون معدنا للنور ومنبعا له ، وذلك هو المصباح لا المشكاة » « 7 » . فصل قال مجاهد : « المشكاة » : القنديل ، والمعنى : كمصباح في مشكاة . المصباح في
--> ( 1 ) ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي . ( 2 ) في ب : ولا . ( 3 ) انظر الفخر الرازي 23 / 232 - 233 . ( 4 ) في ب : الأضواء والأنوار . ( 5 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 6 ) انظر الفخر الرازي 23 / 233 . ( 7 ) انظر الفخر الرازي 23 / 236 .